السودان : (تحقيق) أسواق محاصيل القضارف مابين مطرقة ارتفاع الأسعار الجنونية وسندان تدني الخدمات الإنسانية

6

السودان : أسواق محاصيل القضارف مابين مطرقة ارتفاع الأسعار الجنونية وسندان تدني الخدمات الإنسانية…

أصبحت في الآونة الأخيرة العملية الاقتصادية مواجهة بجملة من التحديات في كيفية وضع الخطط والسياسات الراشدة لمعالجة الاختلالات التي تنبني على افتراضات خاطئة تنعكس على واقع النظام الاقتصادي بعيداً عن مواكبة متطلبات السوق، صحيفة(فجاج) حملت أوراقها إلى سوق المحصول بالقضارف لمعرفة سر الارتفاع الجنوني لأسعار المحاصيل مقارنة بسعر المنتج العالمي.

تحقيق: د. عبدالقادر جاز

 

 

 

 

 

 

 

 

الأسواق تفتقد لأبسط الخدمات:

أكد ممثل العتالين بسوق محاصيل القضارف عمر حسن أبكر (هبو) أن أسواق المحاصيل تنعدم فيها أبسط مقومات الخدمات المتمثلة في مياه الشرب، ودورات المياه، خلاف الطرق المتردية على من الرغم أن السوق يساهم بقدر كبير في رفد ميزانية الولاية، مضيفا بقوله إن المكاتب والمخازن أصبحت عرضة للسرقات المتكررة في ظل غياب تام للشرطة لحماية المواقع، مشيرا إلى أنهم يتفقدون يوميا ممتلكاتهم بأنفسهم عبر الحراسات الذاتية ليلا، وذلك خشية من السرقات، مضيفا أن هذه المشكلة تواجههم في فصل الخريف، بتحول أماكن عملهم بركة من المياه الراكدة، دون أي لفت نظر من الجهات المعنية بذلك تجاه المسألة، مبيناً أنه من المفترض أن تعالج جهات الاختصاص هذا الأمر والقيام بردم وسفلتة الأماكن مقابل الرسوم التي تؤخذ من ملاك المكاتب والمخازن وغيرهم.

غياب المشرع واستمرارية الضريبة:
قال موسى محمد موسى تاجر في أسواق المحاصيل إنهم يعانون من انعدام الخدمات الانسانية التي تكاد أن تسترجع ذاكرتهم إلى (الزريبة) بدلاً من السوق في ظل تطور العملية التسويقية والاقتصادية على مستوى بلدان العالم، مؤكداً أنه رغم أرتفاع الأسعار الجنونية والمتزايدة يوميا للمحاصيل المختلفة يظل تدني الخدمات قائما دون جدوى للمعالجة، متسائلا لماذا لا تنعكس هذه الزيادات الخرافية التي تفوق نسبة 100% على واقع الخدمات داخل سوق المحاصيل ناهيك عن انعكاساتها على الدخل وإسهامها في رفع معاناة مواطنين المتمثلة في الربط الشبكي للمياة والطرق، مستغربا من أن ضريبة 1% ما زال مسلسلها مستمرا في ظل غياب المشرع، مطالبا الجهات المختصة أن تضع في الاعتبار أن ضريبة 1% تعود فوائدها على المجتمع المحلي بعيداً عن قوميتها على مواعين الحكومة الاتحادية، موضحا أن الدخل اليومي للسوق من عائدات الضرائب بأنواعها المتعددة عبارة عن مبالغ طائلة جدا، بواقع أن رسوم القنطار بالنسبة للمزارع تقدر بـ(25)جنيها، والتجار بـ(25)جنيها، مطالبا الجهات المختصة باستحداث إدارة قوية لأسواق المحاصيل تساهم في تطوير وترقية أداء الصبات للتقليل من فاقد المحاصيل الزراعية، بجانب ضرورة تغيير مكاتب الضرائب التي لا تزال مشاكلها متراكمة منذ تفشي جائحة كورونا حتى هذه اللحظة وناتجة عن التأخير المتكرر في فترات الفطور أثناء مزاولة العمل من قبل الموظفين ما انعكس على معاناة المواطنين التي تكاد أن تصل إلى مرحلة الشد والجذب ما بين المزارع والموظفين.

 

 

 

 

 

شبهة فساد:

رجح أبوبكر عبدالمنعم عبدالله مرحل بأسواق المحاصيل ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية نتيجة لارتفاع الوقود، قائلا إذا افترضنا جدلا أن سعر المنتج المحلي مقارنة بسعر المنتج العالمي مختلف، يعتبر ذلك شبهة فساد أي غسيل للأموال في حالة أن المصدر تجاري، أما إذا كان المصدر حكومي بغرض استيراد العملة الصعبة لا خلاف في ذلك، معيبا عدم قدرة إدارة المحاصيل على تقديم الخدمات الأساسية بالرغم من أنها تعتبر بورصة عالمية واقتصرت دورها في تحصيل الرسوم فقط، لافتا إلى أهمية تغيير وضعية بيئة السوق حتى ترتقي لمواصفات الجودة العالمية، مؤكدا إنعدام الرؤية المستقبلية لنظام المصبات وتحديثها لتفادي الفاقد في المحاصيل بالصورة المطلوبة لمعيار الجودة، وكشف عن ضعف المعاملات البنكية في توفير السيولة لمقابلة سعر المنتج المرتفع لدرجة جنونية بالسوق، مطالبا البنوك بضرورة فتح فروع لها في أسواق المحاصيل لتسهيل التعاملات مع المزارعين والتجار والشركات تغطية لحاجتهم الفعلية التسويقية.

العائدات تغطي حاجة الولاية:

كشف ممثل المرحلين بأسواق المحاصيل بالقضارف علي الأمين أن القيمة المضافة بـ(4) جنيه وسرعان ما وصلت إلى (5) جنيه بدون سابق إعلان أو اخطار خلال اليوم، أكد أن هيئة المواصفات والمقايسس بعيدة كل البعد عن معيار أخذ العينة التحليلية للمحاصيل في عملية فحص نوعية المحاصيل، بل التركيز على أخذ الرسوم أكثر من تقديم أي خدمة، وكشف عن زيادة الرسوم في جوال الذرة من 23 جنيه،إلى 72 جنيه، بالإضافة إلى أن رسوم جوال محصول السمسم ارتفعت من 92 جنيه إلى 200 جنيه، معتبرا ذلك كأنك متواجد في سوق الرحمن، مستغربا أن سوق المحاصيل يدخل أموالا طائلة في اليوم!! ناهيك عن موسم حصاد بكامله، متسائلا كيف لا تكون الطرق متطورة في ظل الخدمات التي يقدمها، قائلاً إن دخل شهر واحد من عائدات سوق المحصول تغطي حاجة الولاية في عدد من محاور التنمية المختلفة.

 

 

 

 

 

سلبيات التسويق السمسرة:

أكد د. وليد النيل محمد خبير اقتصادي أن أسواق المحاصيل منذ وحلتها الأولى تقتصر مسئوليتها على الضباط الإداريين إدارايا وتخطيطا وتبعيتها للحكم المحلي آنذاك، مبيناً في فترة نظام إنشاء الولايات أصبح سوق المحصول يتبع لوزارة المالية. وانتجهت نظام البورصة، واتبعت سياسة نقل الكوادر المميزة من أسواق المحاصيل إلى مواقع أخرى، معتبرا هذه سياسة خاطئة لأجل تحقيق أغراض بعيدة عن تطوير العملية الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذه الكوادر العاملة نواة حقيقية للبورصة وقد واجهتهم جملة من التعقيدات والنظرة التقليدية للأسواق ومن نتائجها إرجاعهم إلى وزارة المالية، مؤكداً أن النظام الإداري لأسواق المحاصيل في السابق قوي ومهيمن رئيسي على عملية التسويق، عكس الوضع الراهن المائل، ظهر من خلال الممارسات التسويقية الحالية بواسطة السماسرة والسمسرة التي انعكست سلبياتها على واقع الإنتاح والتسويق بصورة واضحه.

الضباط الإداريون غير المؤهلين لإدارة الأسواق:

استشهد وليد بالتجربة السابقة التي اعتمدت على الغفراء في نظام الحراسة والعتالة، مرورا بعمليات الوزن، وتحديد نوعية المحاصيل، والتنافس والشراء، ومن ثم تسليم الشيك للموظف المعني بالأمر، مضيفا أن هذه تجربة تحكمت بعملية التسويق بمراحلها المختلفة والآن اندثرت بتمكين شريحة البدائل (السماسرة)، كاشفا عن جملة من التحديات تواجه أسواق المحاصيل من بينها جهاز الضباط الإداريين الغير مؤهل لإدارة الأسواق، ونظرتهم التقليدية، باعتبار أن الأسواق تبع للحكم المحلي، لافتاً إلى أن عملية التسويق تحتاج إلى متخصصين وخبراء في مجال الإدارة والتسويق ليست كمجالات الآداب والتربية وخلافها، باعتبار أن هذه الأسواق نعول عليها في معالجة اختلال الموازنة، والعملية الاقتصادية برمتها، معتبرا أن عقلية الضباط الإداريين تقتصر على تحصيل الرسوم، وغض الطرف عن الجوانب التسويقية الأخرى، وعاب وليد على وزارة المالية بأن تفكيرها في التحصيل والإيرادات ومكافحة التهرب الضريبي أكثر من اهتمامها بالجانب الفني للأسواق، مضيفاً أن مجموعة السماسرة والطفيليين هم المستفيدين من هذا الوضع الملتوي. باعتبارهم المتحكمين في تحديد الأسعار للمنتج وشرائه من المزارع البسيط، مضيفاً رغم أن سوق المحصول يجلب كمية من المحاصيل من ولايتي سنار والنيل الأزرق وغيرها نجد أن سمسم القضارف من ميزاته استخدامه في الصناعات التحويلية، مؤكداً أنه حال لم تتم معالجة هذه التحديات ستفشل البورصة.

 

 

 

 

 

الأرضية خصبة للمضاربات والعملة المزورة وتخريب الاقتصاد:

وأوضح د. وليد أن ظاهرة التلاعب بالمواصفات ستجد سبيلها نتيجة لهذه الوضعية المهيمنة على عملية التسويق بتقليل جودة المنتج، داعيا بنك السودان المركزي بضرورة إنشاء غرفة مقاصه تساهم في تطوير ورفع أداء العاملين بسوق المحصول وما يطرأ على العملية التسويقية، وكيفية معالجة الاختلالات في عمليات الشراء والبيع، قائلاً إذا افترضنا أن وارد السمسم يوم أمس (٢٦) ألف،المباع (٣) ألف، المرفوض (١٩) ألف، هذا ناتج عن سعر غير حقيقي وواقعي، بل ينبني على اهواء وصناعة مجموعة معينة بناء على توقعاتهم ودون الاحتكام على السعر العالمي مما يساهم في تخريب الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى التلاعب في السوق عن طريق عدم السماح لأي شخص الدخول في العملية التسويقية، موضحاً إذا كانت عملية الرفض لشراء المحاصيل أكثر سينعكس تأثيرها سلبا على العملية الشرائية، داعياً الجهات المختصة بضرورة التحقق والقبض على أي شخص أو شركة تحاول ضرب السوق بأسعار خرافية لا تتوافق مع السعر العالمي، وأعرب عن بالغ أسفه لعدم وجود قسم للعلاقات العامة والإعلام يقوم بدور التوعية بالعملية التحليلية المالية والقراءات السليمة للأسعار على المستوى العالمي، مبيناً أن تداول العملة النقدية على واقع اليوم كبيرة جداً من الممكن أن تكون أرضية خصبة لإدخال العملات المزورة والمضاربات والتخريب في الاقتصاد، لافتاً إلى أن الزكاة لا تخلو من التلاعب في إعادة وتعبئة المحصول من جديد عبر مراحل وأشكال متعددة.

المحرر:
بما أن العملية التسويقية تواجهها جملة من التحديات التي لفت إليها هذا التحقيق الاستقصائي، على الجهات ذات الصلة إيجاد طريقة المعالجة والتوصل إلى عوامل مشتركة ما بين إدارة سوق المحصول و زارة المالية والجهات العاملة في المجال على وضع رؤية ونظرة فاحصة بتفعيل آلياتهم لضبط الأمور وإرجاعها لنصابها السابق المتمثل في إدارة العملية التسويقية عبر فريق متكامل ابتداء من العمال والموظفين والإدارة العليا ليكونو شركاء في الإدارة والإشراف والتنظيم للسوق بروح الفريق الواحد ولايستثني ذلك دور الأجهزة الأمنية والشرطة حفاظا على أمن واستقرار الاقتصاد الوطني من التخريب والمضاربة وغسيل الأموال. في ظل ارتفاع أسعار المحاصيل بصورة مخيفة تكاد تذهب بالعقل. وتعود الذاكرة إلى سوق المواسير الذي وضع ساقا على بأسواق المحاصيل بطريقة أخرى، والجهات المختصة تطل علينا بمخرجات (خف حنين) على واقع ورشة ترقية وتطوير أسواق المحاصيل التي نظمتها أمانة الحكومة مؤخرا، السؤال الذي يفرض نفسه هل مخرجات هذه الورشة لم تبارح مكانها من قاعة الورشة أم وجدت نفسها في (كاشير)؟ ما هي مخرجات هذه الورشة؟ وكيف ستخدم تطوير أسواق المحاصيل وشركاء العملية الزراعية؟