د. فيصل عبدون يكتب …. الشمالية الكنز المهدر (3)

0

الشمالية الكنز المهدر (3)

المغتربين جيل الرحيل والتهجير

د. فيصل عبدون

ظل مغتربي الولاية الشمالية عبر التاريخ الداعم الاساسي لخدمات التعليم والصحة بقراهم وأسهموا كثيرا في نهضة التعليم في المنطقة ونتج عن هذا الاهتمام المتعاظم للتعليم أن نجح الجيل الاول من المغتربين في توفيرخدمات التعليم لابنائهم الذين نالوا فرص التعليم وكان معظمهم من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ورغم ما توفر لهذا الجيل من التعليم الا أن هذا لم يسهم في استقرارهم بالمنطقة، لان ثقافة الهجرة والاغتراب اصبحت ثقافة سائدة بين اهل الشمالية واصبحوا اكثر حرصا على الهجرة والاغتراب من حرصهم على البقاء في المنطقة، ولعل من الاسباب التي أسهمت في تعميق هذه الثقافة واقع المنطقة الذي لم يكن مرضياً ولا محفزاً للبقاء في أرض الأجداد التي افتقدت عوامل الاستقرار لأسباب وظروف مختلفة أبرزها بطبيعة الحال ضعف الخدمات بل انعدام أبسط مقومات البقاء والحياة، لتسهم الهجرات المتواصلة في تحسين الأوضاع الحياتية للكثيرين خاصة أولئك الذين يمموا صوب دول الخليج وغيرها من دول وقارات العالم، وحتى الذين اكتفوا بالهجرة الداخلية بالعاصمة وغيرها من مدن البلاد وجدوا ما ينشدونه من أوضاع حياتية جيدة تعد أفضل حالاً من الواقع الذي هربوا من جحيمه.

جيل المغتربين من أبناء الشمال الذين بدأوا الاغتراب منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، الذين نالوا قسطا وافر من التعليم بدأت من مدارس القرى وانتهت بالجامعات والمعاهد العليا خارج الولاية، أصبحت الولاية والقرية لا تتناسب وتطلعاتهم ومستوى الحياة التى تعودوا عليها في دول الاغتراب، هذا الجيل حرص على أصطحاب أسرته الصغيرة معه في دول الاغتراب أو قام بنقلهم من القرية الى مدن السودان الاخرى أهمها الخرطوم. ومنها بدأت رحلة التهجير وإفراغ القرى من السكان.
مشاهدة العديد من القرى والمناطق تقع على ضفتي النيل وداخل جذره ،تبدو شبه مهجورة بل هناك بعضها في عدد من المحليات مثل دلقو ووادي حلفا تنعدم فيها حركة السكان وذلك بعد ان هجرت بصورة كلية ،ونقصان السكان يبدو واضحا حتى في حاضرة الولاية دنقلا، بالرغم ما شهدته الولاية من تحسن البنية التحتية المتمثلة في الطرق المسفلتة والكهرباء والمياه الا أن الولاية ظلت تفتقر للعنصر البشري الفاعل والمنتج وهذا الواقع يعتبر خطير جدا و المهدد الحقيقي لمستقبل الولاية.
هذا الجيل لم يكتفي بان نقل اسرته الصغيرة معه الى دول المهجر والاغتراب بل امعن في خلع جذوره بنقل افراد العائلة (الاب والام والاخوان) الى خارج القرية وتوطينهم في مدن السودان (الخرطوم) بحجة انعدام الخدمات الصحية والتعليم و وسائل الحياة الكريمة مما عمق اخلاء القرى من السكان.
الاخطر من هذا أن ابناء هذا الجيل من المغتربن الذين ولدوا ونشاؤا في دول المهجر والاغتراب انقطعت صلتهم بمناطقهم وقرى اباؤهم واجدادهم، هذا الجيل سيشكل فجوة كبيرة في تواصل الاجيال داخل هذه المناطق وسياتي زمن لن نجد من يرتبط بصلة وتاريخ هذه القرى.

غياب العنصر البشري بالولاية
أسهم في إنعدام المشاريع التنموية الكبيرة والحقيقية القادرة على إحداث نقلة في واقع الحياة في المنطقة، وبالتالي تغيير حياة المواطنين بما يكفل لهم الاستقرار، في استمرار نزوح ابناء القرى والمدن في الولاية بحثا عن حياة ترتقي لمستوى تطلعاتهم وتواكب متطلبات الحياة التي عرفوها في دول الاغتراب، في كثير من الحالات كات الهجرة خارج القرية كرها وقسرا لانعدام العديد من مقومات الحياة الكريمة، ولا تزال الولاية تعاني من إنعدام مشاريع زراعية وصناعية وتنمية حقيقية توفر فرص عمل للشباب من ابناء المنطقة وتسهم في وقف نزيف الهجرة وإفراغ الارض من العنصر البشري من أهلها.
قد يبدو واضحاً وجلياً ما وصلت اليه قرى الشمال من تهجير من العنصر البشري في معظم قراها التي اضحت خرابا، على سبيل المثال في محليتي حلفا القديمة ودلقو اللتان عانتا كثيراً في العقود الماضية من انعدام الخدمات، حيث نجد أن عدد سكان محلية دلقو لا يتجاوز خمسين الف نسمة، بينما قرية واحدة من قرى هذه المحلية لديها ما يزيد عن اربعة الف فرد في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ورغم هذا ظل ابناء الشمال مرتبطين بارضهم وقراهم لذا فانه بالرغم من قلة السكان في هذه القرى ظل ابناؤها في الاغتراب يدعمون الخدمات فيها ويبذلون جهودا مقدرة في تنميتها، فعملوا على إنشاء المستشفيات وتأهيل المدارس ودعم المعلمين لتحفيزهم للبقاء بالقرية، وساهموا في مشاريع المياه والكهرباء.
إن ابتعاد أبناء الشمال عن قراهم ومناطقهم الأصلية لم يقطع علاقتهم بها بل ازدادت عمقاً، والهجرة رغم سلبياتها، إلا أنها أسهمت إيجاباً في الشمالية بالدعم السخي الذي ظل يبذله ابناؤها وارتباط أهلها بها وجهدهم المقدر في دعم الخدمات.
هذه العلاقة بين أبناء المنطقة المهاجرين بعيدا عنها وبين الارض التي تهفو لها نفوسهم ولا يجدوا محفزا للبقاء فيها احدث خلل كبير، ففي الوقت الذي ينفق فيه مهاجري ومغتربي الشمال على قراهم بسخاء في دعم الخدمات ومساعدة المحتاجين والصرف ببذخ كبير على من تبقى من الاهل تظل القرية شبه خالية من السكان الاصليين، ليس هذا فحسب بل أسهمت تحويلات المغتربين لمن تبقى من أهلهم في القري والتي تقدر بملايين الدولارات، أسهم هذا في عزوف اهل القرى عن ممارسة الزراعة وأصبحوا عناصر مستهلكة غير منتجة، هذا أغرى الكثير من العناصر من خارج هذه القرى للنزوح اليها والعمل في التجارة لتوفير السلع لهذه الفئة المستهلكة التي لديها ثروات طائلة متدفقة باستمرار والتي لم يبذلوا الكثير من الجهد للحصول عليها
تظل العلاقة بين هذا الجيل من المغتربين وقراهم علاقة عاطفية ووجدانية تدفع المغترب لدعم القرية واهلها دون العمل على ربط نفسه أو اسرته بالقرية بما يدعم القرية بهذا التواجد الذي يعني ضرورة إحداث تنمية تتمثل في مشاريع صغيرة أو متوسطة بحسب حجم مدخرات مغتربي المنطقة، وبالرغم من ان معظم أبناء قرى الشمالية المغتربين أستطاعوا أن يشكلوا كيانات أجتماعية في شكل جمعيات للقرى و روابط للمحليات والولاية في أماكن تواجدهم في دول الاغتراب أو حتى داخل مدن السودان الاخرى خارج الولاية مما اسهم في حفظ النسيج الاجتماعي فيما بينهم وساعد في قدرتهم على الترابط و أسهم بشكل كبير في دعم المرافق الخدمية بالقرى، الا ان هذه الكيانات تظل قاصره على احداث تغير شامل وتطوير مشاريع تسهم في استقرار شباب القرية وتضمن عودة هذا المغترب الى القرية ليجد فيها من الاعمال ما يوفر له عوامل الاستقرار والاسهام في تنمية القرية بهذا التواجد الذي يحمل كل خبرات سنين الغربة وما تراكم لديهم من مدخرات وما أكتسبوه من مهارات.
بالرغم من التغيرات التي طرأت على واقع الولاية من تطور في البنية التحتية من طرق وتوفر خدمات الكهرباء بعد قيام سد مروي والتطور في مجال خدماات المياه والصحة، الا أن إنعدام المشاريع الكبيرة التي تستوعب إمكانيات هذه الشريحة من المغتربين، وعدم قدرتهم على خلق كيانات ومشاريع تمكنهم من العودة الى قراهم والعمل فيها كان سبب في استمرار نزيف الهجرة، لذا يظل هاجس المغترب الحصول على مسكن في مدن السودان الاخرى وخاصة العاصمة، ويستنفذ الحصول على مسكن في العاصمة التي اصبح الحصول على سكن مناسب فيها يتطلب قدرات مالية كبيرة تأخذ كل مدخرات المغترب أو معظمها، لذا نجد المغتربين بعد عودتهم من الاغتراب لايملك سواء هذا البيت ورصيد بسيط يكفي لشراء ركشة او عربة يستخدمها كمصدر دخل، وقد يلجأ البعض الاخر الى تقسيم هذا المسكن وتأجير جزء منه، او الدخول في بعض الاعمال التجارية كوسيط في معظم الحالات، كل هذا دون التفكير في العودة والاستثمار في القرية والاستقرار بها كخيار في كثير من الاوقات قد يكون افضل من التمسك بالبقاء بعيدا عن القرية في اطراف المدينة.
ومؤخرا بعد الارتفاع الهائل والغير مبرر لقيمة العقار في الخرطوم الذي أصبح قيمة العقار فيه أعلى من أكثر مدن العالم المتقدمة والاكثر من حيث كثافة سكانية، مما دفع عدد كبير من مغتربي ومهاجري السودان عامة وأبناء الشمال خاصة للتفكير في امتلاك عقار في دول اخرى مثل مصر، وتشير العديد من الإحصائيات، غير رسمية، إلى استقرار عشرات الآلاف من الأسر السودانية في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة، ووجد كثير من المغتربين من الافضل والايسر لهم نقل عائلاتهم من دول الاغتراب للعيش في القاهرة، خاصة وان مصر توفر الى جانب العقار الارخص مقارنة بالسودان مستوى افضل في خدمات التعليم والصحة والاستقرار، مما دفع عدد من المغتربين الى إمتلاك عقارات سكنية في أحياء مختلفة بالعاصمة المصرية وضواحيها مثل الرحاب ومدينتي مصر الجديدة والمهندسين والعجوزة وفيصل وعين شمس ووسط البلد. وفي سبيل تحقيق ذلك تخلو عن كل ممتلكاتهم وما يربطهم بالسودان حيث باع الكثير منهم جميع ممتلكاتهم بالسودان وبالاخص الشمالية (الاراضي الزراعية) وقطعوا بذلك اي خطة رجعة مرة اخرى الى السودان.

نواصل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bengali girl xxx video Porn Videos Xxx Hd Porn Hd Xxx Indian Porn Xxx Porn